أبي الفرج الأصفهاني
358
الأغاني
صوت سقيا لأرض إذا ما نمت نبّهني بعد الهدوّ بها قرع النّواقيس كأنّ سوسنها في كلّ شارقة على الميادين أذناب الطَّواويس / قال : فأعجبني وعملت على أن أباكر به الرّشيد . فلقيني في طريقي خادم لعليّة بنت المهديّ ، فقال : مولاتي تأمرك بدخول الدّهليز لتسمع من بعض جواريها غناء أخذته عن أبيك وشكَّت فيه الآن . فدخلت معه إلى حجرة قد أفردت لي كأنها كانت معدّة فجلست ، وقدّم لي طعام وشراب فنلت حاجتي منهما ، ثم خرج إليّ خادم فقال لي : تقول لك مولاتي : أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث ، فأسمعنيه ولك جائزة سنيّة تتعجّلها ، ثم ما يأمر به لك بين يديك ، ولعله لا يأمر لك بشيء أو لا يقع الصوت منه بحيث توخّيت ، فيذهب سعيك باطلا . فاندفعت فغنّيتها إيّاه ، ولم تزل تستعيده مرارا ، ثم أخرجت إليّ عشرين ألف درهم وعشرين ثوبا ، وقالت : هذه جائزتك ، ولم تزل تستعيده مرارا . ثم / قالت : اسمعه منّي الآن ؛ فغنّته غناء ما خرق سمعي مثله . ثم قالت : كيف تراه ؟ قلت : أرى واللَّه ما لم أر مثله . قالت : يا فلانة أعيدي له مثل ما أخذ ؛ فأحضرت لي عشرين ألفا أخرى وعشرين ثوبا . فقالت : هذا ثمنه ، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين ، أبدأ أتغنّى [ 1 ] به ، وأخبر أنّه من صنعتي . وأعطي اللَّه عهدا لئن نطقت أنّ لك فيه صنعة لأقتلنّك ! هذا إن نجوت منه إن علم بمصيرك إليّ . فخرجت من عندها وو اللَّه إنّي لكالموقن [ 2 ] بما أكره من جائزتها أسفا على الصوت ، فما جسرت واللَّه بعد ذلك أن أتنغّم به في نفسي فضلا عن أن أظهره حتى ماتت . فدخلت على المأمون في أوّل مجلس جلسه للَّهو بعدها ، فبدأت به أوّل ما غنّيت . فتغيّر لون المأمون وقال : من أين لك ويلك هذا ؟ ! قلت : ولي الأمان على الصدق ؟ قال : ذلك لك . فحدّثته الحديث . فقال : يا بغيض ! فما كان في هذا من النفاسة حتى شهرته وذكرت هذا منه مع ما قد أخذته من العوض ! وهجّنني فيه هجنة وددت معها أنّي لم أذكره . فآليت ألَّا أغنّيه / بعدها أبدا . الشعر في هذا الصوت لإسماعيل بن يسار النّسائي ، وقيل : إنه لإسحاق . ولحنه من الثقيل الأوّل مطلق في مجرى الوسطى . وذكر حبش أنه للهذليّ ، ولم يحصّل ما قاله . طارحت أخاها إبراهيم الغناء وسمعها من في مجلس المأمون : أخبرني عمّي قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال قال لي ينشو المغنّي حدّثني أبو أحمد بن الرشيد قال : كنت يوما عند المأمون وإلى جانبي منصور وإبراهيم عمّاي ، فجاء ياسر دخلة فسارّ المأمون . فقال المأمون لإبراهيم : إن شئت يا إبراهيم فانهض ، فنهض . فنظرت إلى ستر قد رفع مما يلي دار الحرم ، فما كان بأسرع من أن سمعت شيئا أقلقني . فنظر إليّ المأمون وأنا أميل فقال لي : يا أبا أحمد مالك تميل ؟ فقلت : إني سمعت شيئا ما سمعت بمثله . فقال : هذه عمّتك عليّة تطارح عمّك إبراهيم : مالي أرى الأبصار بي جافيه
--> [ 1 ] في ب ، س : « ولن أبدأ بغناء غيره » . [ 2 ] في أ ، م : « وو اللَّه إني لأكاد أموت بما أكره إلخ » .